الشيخ محمد رشيد رضا
376
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
كما بداكم ربكم خلقا وتكوينا بقدرته تعودون اليه يوم القيامة - حالة كونكم فريقين - فريقا هداهم في الدنيا ببعثة الرسل فاهتدوا بايمانهم به وإقامة وجوههم له وحده في العبادة ودعائه مخلصين له الدين لا يشركون به أحدا ولا شيئا - وفريقا حق عليهم الضلالة لاتباعهم اغواء الشيطان ، واعراضهم عن طاعة الرحمن ، وكل فريق يموت على ما عاش عليه ، ويبعث على ما مات عليه ، ومعنى حقت عليهم الضلالة ثبتت بثبوت أسبابها الكسبية ، لا أنها جعلت غريزة لهم فكانوا مجبورين عليها ، يدل على هذا تعليلها على طريق الاستئناف البياني بقوله تعالى إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ عاد هنا إلى الكلام عن المشركين بضمير الغائبين بعد انتهاء ما أمر به الرسول من خطاب المحتجين منهم بما يبطل حجتهم التي حكاها عنهم - ومعنى اتخاذهم الشياطين أولياء انهم أطاعوهم في كل ما يزينونه لهم من الفواحش والمنكرات ، كأنهم ولو هم أمورهم من دون اللّه الذي يأمر بالعدل والاحسان ، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي والعدوان ، ويحسبون انهم مهتدون فيما تلقنهم الشياطين من الشبهات ، كجعل التوجه إلى غير اللّه والتوسل به اليه في الدعاء وغيره مما يبهم اليه تعالى زلفى ، وجعل الرب تعالى كالملوك الجاهلين الظالمين ، لا يقبل عبادة عبده المذنب الا بواسطة بعض المبين عنده ، كالملك الجاهل مع وزرائه وحجابه وأعوانه ، وغير ذلك مما ذكر آنفا من شبهتهم على طوافهم عراة ، وما تقدم في سورة الأنعام ، من تحريم ما حرموا من الحرث والانعام ، وأكثر من ضل من البشر في الاعتقاديات والعمليات يحسبون أنهم مهتدون ، وأقل الكفار الجاحدون للحق كبرا وعنادا كأعداء الرسل في عصورهم ، وحاسديهم على ما آتاهم اللّه من فضله فكرمهم به عليهم ، كما حسد إبليس آدم واستكبر عليه ، ومنهم فرعون والملا من أشراف قومه الذين قال تعالى فيهم ( وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوًّا ) ومنهم كبراء طواغيت يش كأبي جهل والوليد ابن المغيرة والنضر بن الحارث والأخنس بن شريق الذين قال تعالى فيهم ( فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ ) وأما سائر الناس فضالون بالتقليد واتباع الشبهات الشيطانية ؟ أو بالنظريات والآراء الباطلة ؟ وهم الذين قال تعالى فيهم ( قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالًا ؟ الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً ) ولو كان التقليد عذرا مقبولا لكان أكثر كفار الأرض